كيديماغا بين خطاب الإنصاف واستحقاقات التنمية وتمكين الشباب/بقلم سيدي مختار علام

في مؤتمره الصحفي الأخير، جدد فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني التأكيد على أن الشباب يشكلون محور المأمورية الحالية، وأن بناء الدولة الحديثة لا يمكن أن يتحقق إلا بالاعتماد على الكفاءة، وترسيخ الإنصاف، وتوسيع فرص المشاركة أمام جميع الموريتانيين، بعيدًا عن أي تمييز أو إقصاء. كما شدد على أن التنمية المتوازنة بين الولايات ليست خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة وطنية لضمان الاستقرار وتعزيز الوحدة الوطنية.وتفتح هذه الرؤية الباب أمام تساؤل مشروع: كيف يمكن ترجمة هذا الخطاب إلى واقع ملموس في الولايات التي تمتلك مقومات كبيرة، لكنها لا تزال تنتظر نصيبها من التنمية والتمكين؟ وتأتي ولاية كيديماغا في مقدمة هذه الولايات، بما تزخر به من ثروات طبيعية، وطاقات بشرية، وموقع جغرافي استراتيجي، يجعلها مؤهلة لأن تكون إحدى قاطرات التنمية الوطنية.فكيديماغا ليست مجرد ولاية زراعية تعتمد على النشاط الريفي، بل تمثل بوابة موريتانيا نحو مالي والسنغال، كما تشكل نموذجًا وطنيًا للتنوع الثقافي والتعايش بين مختلف مكونات المجتمع الموريتاني من البيظان والحراطين والفلان والسوننكي وغيرهم. واليوم، تتعزز مكانة الولاية مع بدء استغلال حقل الذهب المكتشف فيها، وهو مشروع يحمل آمالًا كبيرة في إحداث نقلة اقتصادية نوعية، شريطة أن تنعكس عائداته على التنمية المحلية وتحسين ظروف السكان.ورغم هذه المقومات الواعدة، لا تزال الولاية تواجه تحديات تنموية حقيقية، في مقدمتها أزمة المياه الصالحة للشرب، والحاجة إلى تعزيز البنية التحتية والخدمات الأساسية، فضلًا عن شعور متزايد لدى كثير من شبابها بأن حضورهم في مواقع المسؤولية لا يزال دون مستوى كفاءاتهم وإسهاماتهم في خدمة الوطن.وقد أثبت شباب كيديماغا خلال السنوات الأخيرة أنهم شركاء حقيقيون في الحياة العامة، حيث لعبوا دورًا محوريًا في تنشيط العمل السياسي، وتأطير الناخبين، وإنجاح الحملات الانتخابية، وإطلاق المبادرات المدنية والتطوعية، وهو ما أسهم في إحداث تحول ملحوظ في المشهد السياسي داخل الولاية، وتعزيز ثقافة الحوار والانخراط الإيجابي في الشأن العام.ومن بين أبرز النماذج الشبابية، برزت منسقية شباب ولاية كيديماغا، التي يقودها الدكتور لمرابط ولد عيسى باب، العضو السابق بالمجلس الأعلى للشباب، إلى جانب مؤسسته المستقلة (MPI)، التي وفرت تكوينًا مجانيًا لأكثر من ألفي شاب وشابة في مجالات اللغات، وريادة الأعمال، والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، والقيادة، إضافة إلى تنظيم مبادرات تهدف إلى ترسيخ قيم المواطنة والعمل التطوعي والمشاركة المدنية.وقد أسهمت هذه الجهود في استقطاب طاقات شبابية من مختلف المشارب السياسية، وتعزيز الثقة في العمل الديمقراطي، وإبراز أن الشباب، متى ما أتيحت لهم الفرصة، قادرون على أن يكونوا قوة اقتراح وبناء، لا مجرد جمهور انتخابي.غير أن المحافظة على هذه الديناميكية تتطلب الانتقال من مرحلة التعبئة إلى مرحلة التمكين، عبر إتاحة الفرصة للكفاءات الشابة لتولي المسؤوليات على أساس الجدارة والاستحقاق، وهي المبادئ التي أكد عليها رئيس الجمهورية في أكثر من مناسبة، وجدد التمسك بها خلال مؤتمره الصحفي الأخير.إن الاستثمار في الذهب والزراعة والموارد الطبيعية لن يحقق التنمية المنشودة إذا لم يقترن باستثمار موازٍ في الإنسان. فالثروة الحقيقية لأي دولة هي كفاءاتها البشرية، والتنمية المستدامة تبدأ من تمكين الشباب، وإشراكهم في صنع القرار، والاستفادة من خبراتهم في رسم السياسات العمومية وتنفيذها.واليوم، تبدو كيديماغا أمام فرصة تاريخية، ليس فقط للاستفادة من مشاريعها الاقتصادية، بل أيضًا لتجسيد الرؤية الوطنية القائمة على الإنصاف والعدالة وتكافؤ الفرص. فنجاح هذه الرؤية يقاس بمدى انعكاسها على حياة المواطنين، من خلال تحسين الخدمات الأساسية، وحل مشكلة المياه، وخلق فرص العمل، وتمكين الكفاءات المحلية من الإسهام في إدارة الشأن العام.إن العدالة في التنمية لا تعني تشييد المشاريع فحسب، بل تعني أيضًا العدالة في توزيع الفرص، والإنصاف في التعيين، والاعتراف بالكفاءة أينما وجدت. وكيديماغا، بما تمتلكه من إمكانات بشرية وثروات طبيعية، تستحق أن تكون نموذجًا وطنيًا لتجسيد هذه الرؤية، وأن تتحول من ولاية غنية بالإمكانات إلى ولاية رائدة بالإنجازات، بما ينسجم مع مشروع الدولة الذي يقوده فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، والقائم على الإنصاف، والتنمية المتوازنة، وتمكين الشباب من أداء دورهم الكامل في بناء موريتانيا الجديدة.بقلم سيدي مختار علام