لم يكن المؤتمر الصحفي الأخير لفخامة رئيس الجمهورية مجرد لقاء إعلامي عابر، ولا مناسبة بروتوكولية لتبادل الأسئلة والأجوبة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة أعلى هرم في الدولة على مخاطبة الرأي العام، والتفاعل المباشر مع مختلف القضايا التي تشغل المواطنين، في لحظة إقليمية ووطنية دقيقة.وقد امتد اللقاء لأكثر من ثلاث ساعات ونصف، شهد خلالها مداخلات متعددة من صحفيين يمثلون مختلف المنابر الإعلامية، حملت أسئلة متشعبة، بعضها اتسم بالصراحة، وبعضها الآخر لم يخلُ من الحدة، إلا أن الرئيس اختار أن يواجهها جميعًا بمنهج يقوم على الشرح والتفسير وتقديم المعطيات، دون انفعال أو تهرب أو اختزال.كنت واحدًا من الصحفيين الذين حظوا بشرف حضور هذا المؤتمر، وقد أعددت مجموعة من الأسئلة التي أرى أنها تمثل هموم المواطن اليومية، وتمس قضايا المعيشة، والأمن، والتنمية، والحوكمة. لكن الوقت لم يسعفني لطرحها، كما لم يسعف عددًا من الزملاء. غير أن ما خرجت به من هذا اللقاء كان أهم من مجرد طرح سؤال؛ فقد خرجت بانطباع مفاده أن رئيس الجمهورية يتابع تفاصيل المشهد الوطني، ويستمع إلى ما يدور في الشارع، ويعي حجم الانتظارات التي يعلقها المواطنون على الدولة.ولعل أكثر ما لفت الانتباه هو حديثه عن تأخر هذا اللقاء الصحفي، وإبداؤه تفهمًا لما أثير حول ذلك من انطباعات، في رسالة تعكس إدراكًا لأهمية التواصل المباشر مع الإعلام الوطني، باعتباره شريكًا في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.كما استوقفتني إجابته المتعلقة بالثروة السمكية، عندما أشار إلى أن الاستفادة من الثروات لا تتحقق بمجرد امتلاكها، وإنما بالقدرة على استخراجها واستثمارها. وهي عبارة، وإن جاءت في سياق اقتصادي، فإنها تحمل معنى أوسع؛ فالأمم لا تبنى بما تمتلكه من إمكانات فحسب، بل بما تمتلكه من كفاءة وإرادة وحسن إدارة.غير أن الرسالة الأعمق في هذا المؤتمر، والتي تستحق التوقف عندها، كانت حديث رئيس الجمهورية عن الفساد. فقد قدم مقاربة تتجاوز المفهوم التقليدي الذي يحصر الفساد في الرشوة أو اختلاس المال العام أو سوء التسيير الإداري، إلى رؤية أكثر شمولًا تعتبر أن الفساد المالي والإداري ليس إلا نتيجة لأنواع أخرى أكثر خطورة.فالفساد الأخلاقي هو بداية الانحدار، لأنه يضعف الضمير ويجعل المصلحة الشخصية تتقدم على المصلحة العامة. وعندما يفسد الضمير، يصبح الاعتداء على المال العام، أو استغلال النفوذ، أو خيانة الأمانة أمرًا يسهل تبريره.أما الفساد الاجتماعي، فيضرب قيم التضامن والعدالة وتكافؤ الفرص، ويغذي المحسوبية والزبونية والتمييز، فتفقد المؤسسات ثقة المواطنين، ويتحول الانتماء إلى العلاقات الشخصية بديلاً عن الكفاءة والاستحقاق.ويبقى الفساد السياسي هو الأخطر، لأنه البيئة التي تسمح لبقية أشكال الفساد بالنمو والتمدد. فعندما تتحول السياسة من وسيلة لخدمة الوطن إلى وسيلة لتحقيق المصالح الضيقة، أو لتغليب الولاءات على الكفاءات، أو لإضعاف المؤسسات، فإن الدولة كلها تصبح عرضة للاهتزاز، مهما امتلكت من موارد وإمكانات.ولذلك فإن مكافحة الفساد لا تبدأ عند أبواب المحاكم، بل تبدأ من بناء الإنسان، وترسيخ الأخلاق العامة، وتعزيز سيادة القانون، وترسيخ ثقافة المساءلة، وجعل المسؤولية تكليفًا لا تشريفًا.إن الدولة القوية ليست تلك التي تكتفي بإنجاز الطرق والمستشفيات والمدارس، على أهمية ذلك، وإنما هي الدولة التي تبني في الوقت نفسه منظومة قيم تحمي هذه المنجزات من العبث، وتضمن استدامتها للأجيال القادمة.لقد قدم المؤتمر الصحفي درسًا في أهمية الحوار المباشر بين الحاكم والمواطن عبر الإعلام، وأثبت أن الشفافية ليست ترفًا سياسيًا، بل ركيزة من ركائز الحكم الرشيد. كما أكد أن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تنجزه، وإنما أيضًا بقدرتها على شرح سياساتها، والاستماع إلى الأسئلة، واحترام حق الرأي العام في المعرفة.ويبقى الرهان الحقيقي بعد هذا المؤتمر هو تحويل ما طُرح من رؤى وأفكار إلى سياسات عملية يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية؛ في جودة الخدمات، وفرص العمل، والعدالة، وسيادة القانون، وتعزيز الأمن والاستقرار. فهناك فقط تكتمل قيمة الخطاب، وتترجم الكلمة إلى واقع، ويصبح الحوار أداةً لتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، لا مجرد مناسبة إعلامية عابرة.محمد سيدأحمد بوبه